|
مقدمة
عرف الإنسان الخطر منذ أن خلقه الله ولجأ إلى وسائل عديدة لمواجهة
المخاطر، وحثت جميع الأديان الإنسان على مواجهة المخاطر وإدارتها،
وفى القرآن الكريم دلائل كاملة لإدارة المخاطر، ففى قصة سيدنا يوسف
عليه السلام يقول تعالى:
﴿يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع
سنبلات خضر وأخر يابسات لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون
قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما
تأكلون
ثم يأتى من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما
تحصنون
ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون﴾. صدق الله
العظيم
من هذه الآيات نلاحظ كيف تدار المخاطر. ولإدارة المخاطر أهمية
كبيرة في مواجهتها، فإن الإنسان دائم السعى إلى استخدام الأساليب
العلمية الحديثة لمواجهة تلك المخاطر كما أن البحوث دائمة ومستمرة
في سبيل البحث عن سبل ووسائل لمواجهة المخاطر الجديدة التي يواجهها
الإنسان بسبب التقدم العلمى والتكنولوجى فلقد ظهرت مخاطر لم تكن
موجودة من قبل بسبب استخدام الآلات والمعدات الحديثة، كما أن
استخدام الذرَّة سواء في السلم أو الحرب أدى إلى ظهور مخاطر جديدة
لم يعرفها الإنسان.
وقد بدأت الدراسة المنظمة لتحليل المخاطر بعد الحريق الذى حدث
في مركبة الفضاء الأمريكية
أبولو في يناير 1967 وأُودى بحياة ثلاثة من رواد الفضاء وقد كانت وكالة الفضاء ناسا قبل هذا الحادث
تعتمد على خبرة المهندسين العملية لضمان الجودة والتحكم فيها. وفى
أبريل 1969م تشكلت هيئة تعمل على
إيجاد معايير قياسية للسلامة
اثناء رحلات الفضاء بحيث يكون معامل الأمان فيها بنسبة 95% وألا تزيد نسبة
مخاطر الموت أو جرح رواد الفضاء عن 1%، ونجد أن المتعاملين مع
المخاطر يعتبرون هذه الأرقام حقائق مطلقة ولا يتم التعامل معها على
أنها معايير تصف درجة المخاطر واحتمالاتها. والآن وضعت
وكالة
ناسا برامج التحليل الكمى للمخاطر لدعم الأمان أثناء مراحل تصميم
وتنفيذ رحلات الفضاء.
وفى قطاع الطاقة النووية، قرب نهاية الخمسينات ظهرت دراسة سنة
1957م ركزت على عدة سيناريوهات لتسرب الإشعاع النووى من مفاعل يعمل
على بعد 30 ميل من مركز تجمع سكانى ولم يستطع حساب احتمال هذا
التسرب الإشعاعى في ذلك الوقت؛ ولكن تتابع
إدخال
تحسينات على تصميم المفاعلات النووية لتقليل احتمال حدوث كارثة
التسرب الإشعاعى، وكانت الرغبة في معرفة كم ومقدار تأثير هذه
التحسينات على المفاعلات النووية هى التي أدت في النهاية إلى ظهور
ما يعرف الآن "التحليل الاحتمالى للمخاطر" وكان أول تطبيق لهذه
الطريقة بواسطة هيئة الأمان النووى ونشرت بواسطة
((Nuclear
Regulatory Commission
سنة 1975م.
إن التحليل الاحتمالى للخطر أو ما يسمى التحليل الكمى للخطر
يطبق حاليا في الكثير من القطاعات مثل النقل، المبانى، الطاقة،
التفاعلات الكيميائية، الفضاء، والمجال الحربى وحتى في تخطيط
وتمويل المشروعات وهى تستخدم في الإطار التنظيمى بواسطة الجهات
المختصة كما تطبق أحيانا للتحقق من عوامل الأمان أو لتأكيد الحاجة
إلى المزيد من الاحتياطات أثناء تنفيذ المشروعات. وإجراء تحليل
المخاطر في هذه المجالات لإيجاد آليات لمساعدة متخذ القرار على
إدارة هذه المخاطر والتحكم بها.
وحيث
إن التحليل الكمى للمخاطر أصبح واسع الانتشار في الآونة الأخيرة؛ فسوف نحاول إيضاح
بعض الآليات
للتعامل
مع المخاطر،
وأهم النماذج لصياغة هذه المخاطر ومدى ارتباطها بمبدأ عدم التأكد، وكيفية تحويل
المخاطر إلى كميات عن طريق القياس أو آراء الخبراء وذلك لاتخاذ
القرار الأمثل.
وفى النهاية نتوجه بالشكر والتقدير والعرفان لفريق مشروع
"الطرق المؤدية إلى التعليم العالى"، ونخص منهم بالذكر م. إيمان
عبدالجليل بدير؛
لما بذلوه من جهد ساهم في إخراج هذا الكتاب بصورته الحالية. |